الأسبوع العربيمقالاتمنوعات

أفنيت حياتك.. وهم لم يلتفتوا

أفنيت حياتك.. وهم لم يلتفتوا
بقلم / سهير محمود عيد
هناك وجع لا يشبه أي وجع آخر،
وجع لا يأتي من غريب، ولا من عدو،
بل من أقرب الناس…
من أولئك الذين أفنيت عمرك وصحتك وأيامك من أجلهم،
ثم اكتشفت متأخرًا أنهم لم يشعروا يومًا بوجعك.
هذا الألم لا يولد فجأة،
بل يتكوّن ببطء،
سنة بعد سنة،
وتضحية بعد أخرى،
حتى يصبح حقيقة موجعة لا يمكن إنكارها.
كثيرون يعيشون حياتهم وهم يؤجلون أنفسهم،
يؤجلون راحتهم،
يؤجلون أحلامهم،
يؤجلون حتى آلامهم،
بحجة أن “الأسرة أولًا”،
وأن القريب أحق بالصبر،
وأن العطاء واجب لا يُناقَش.
لكن ما لا يخبرك به أحد،
أن العطاء حين لا يُقابَل بالتقدير
يتحول مع الوقت إلى نزيف داخلي.
يمضي العمر،
والجسد يضعف،
والصحة تتآكل بصمت،
والإنسان لا يشكو،
لأنه اعتاد أن يكون السند،
لا الذي يُسند.
ثم تأتي اللحظة الفاصلة…
لحظة الحاجة.
لحظة المرض،
أو التعب،
أو العجز عن الاستمرار بنفس القوة.
لحظة يتوقع فيها الإنسان – ولو لمرة واحدة –
أن يجد من يشعر به،
من يرد له جزءًا بسيطًا من الجميل،
من يربّت على كتفه بدلًا من تحميله ما لا يطيق.
لكن الصدمة تكون قاسية،
حين يقابل هذا الاحتياج بالتجاهل،
أو باللوم،
أو بجملة جارحة مثل:
“أنت تغيّرت”،
“لم تعد كما كنت”،
وكأن الضعف خيانة،
وكأن المرض اختيار.
في تلك اللحظة،
لا ينكسر الإنسان لأنه لم يُساعد،
بل لأنه شعر أنه كان مجرد أداة.
أنه كان موجودًا طالما يعطي،
وطالما يتحمّل،
وطالما يصمت.
كم هو موجع أن تكتشف
أن تعبك كان طبيعيًا،
لكن تعبهم أزمة.
أن صبرك واجب،
لكن صبرهم مستحيل.
أن صحتك كانت ثمنًا مقبولًا،
لكن أي تعب يصيبهم يستدعي التعاطف والاهتمام.
هناك أناس ضاعت أعمارهم
وهم يظنون أنهم يبنون أمانًا،
لكنهم في الحقيقة كانوا يبنون اعتيادًا.
اعتيادًا على وجودهم،
على عطائهم،
على صمتهم.
وحين يختل هذا الاعتياد،
لا يُسأل: لماذا تعب؟
بل يُسأل: لماذا لم يعد كما كان؟
الوجع الحقيقي
أن تشعر أنك غير مسموح لك أن تنهار.
غير مسموح لك أن تضعف.
غير مسموح لك أن تطلب.
لأنك أنت دائمًا “القوي”،
ودائمًا “المسؤول”،
ودائمًا “الذي يتحمّل”.
لكن لا أحد قوي إلى الأبد.
ولا أحد خُلق ليُستهلك حتى النهاية.
الإنسان الذي ضاعت صحته في خدمة غيره
لا يبحث عن شكر،
ولا عن مقابل مادي،
هو فقط يريد اعترافًا إنسانيًا بسيطًا:
أن ما قدّمه كان له قيمة،
وأن تعبه لم يكن بلا معنى.
غير أن القسوة حين تأتي من الأقربين
تكون أعمق من أي وجع آخر.
لأنها تضرب في منطقة الأمان،
في المكان الذي ظنّه الإنسان مأواه الأخير.
يمرّ عليه الليل طويلًا،
تتزاحم الأسئلة في رأسه:
هل أخطأت حين أعطيت أكثر مما يجب؟
هل كان يجب أن أحتفظ بشيء لنفسي؟
هل التضحية كانت فضيلة… أم خطأ؟
وهنا يبدأ نوع آخر من الألم،
ألم الندم المتأخر.
ندم على صحة لم تُصَن،
وعمر لم يُعاش،
وأحلام أُجلت حتى اختفت.
ومع ذلك،
الغريب أن هذا الإنسان لا يحمل حقدًا.
قلبه – رغم كل شيء –
ما زال يميل إلى الرحمة،
لأنه تعوّد أن يحب أكثر مما يُحَب.
لكن الحقيقة القاسية التي يجب الاعتراف بها:
العطاء بلا حدود
قد يتحول إلى ظلم للنفس.
والتضحية المستمرة
إن لم تُقدَّر
تصبح استنزافًا قاتلًا.
ليس عيبًا أن تتعب،
ولا أن تمرض،
ولا أن تقول “كفى”.
العيب أن يُطلب منك المزيد
وأنت لم يعد لديك إلا وجعك.
هذا المقال ليس صرخة غضب،
بل شهادة إنسانية صادقة
عن أناس عاشوا للآخرين
حتى نسوا أنفسهم،
وحين احتاجوا…
اكتشفوا أنهم وحدهم.
وهو تذكير مؤلم لكنه ضروري:
انتبهوا لمن أفنوا أعمارهم في خدمتكم،
فخذلان القريب
لا يُشفى منه القلب بسهولة،
وكسر الخاطر
قد يترك أثرًا لا يمحوه الزمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى